عبد الرحمن السهيلي
255
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
أنه قال : أفقرني ظهره إلى المدينة ، وروي أنه قال : استثنيت ظهره إلى المدينة ، وروي أنه قال : شرط لي ظهره ، وقال البخاري : الاشتراط أكثر وأصح ، وكذلك اضطربوا في الثمن ، فقالوا : بعته منه بأوقية ، وقال بعضهم : بأربع أواقي ، وقال بعضهم : بخمس أواقي ، وقال بعضهم : بخمسة دنانير ، وقال بعضهم : بأربعة دنانير ، وقال بعضهم : هو في معنى الأوقية ، وكل هذه الروايات قد ذكرها البخاري ، وقال مسلم في بعض رواياته : دينارين ودرهمين ، وقالت طائفة بإبطال الشرط ، وجواز البيع ، واحتجوا بحديث بريرة حين باعها أهلها من عائشة ، واشترطوا الولاء فأجاز النبي صلى الله عليه وسلم البيع وأبطل الشرط ، واستعمل مالك هذه الأحاديث أجمع ، فقال : بإبطال البيع والشرط على صورة ، وبجوازهما على صورة أخرى ، وبإبطال الشرط وجواز البيع على صورة أيضاً ، وذلك بين في المسائل لمن تدبرها ، وأبين ما توجد محكمة الأصول مستثمرة الجنا والفصول في كتاب المقدمات لابن رشد ، فلينظرها هنالك من أرادها . فصل : ومن لطيف العلم في حديث جابر بعد أن تعلم قطعاً أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يفعل شيئاً عبثاً بل كانت أفعاله مقرونةً بالحكمة ومؤيدةً بالعصمة ، فاشتراؤه الجمل من جابر ثم أعطاه الثمن ، وزاده عليه زيادةً ، ثم رد الجمل عليه ، وقد كان يمكن أن يعطيه ذلك العطاء دون مساومة في الجمل ، ولا اشتراء ولا شرط ولا توصيل ، فالحكمة في ذلك بديعة جداً ، فلتنظر بعين الاعتبار ، وذلك أنه سأله : هل تزوجت ، ثم قال له : هلا بكراً ، فذكر له مقتل أبيه ، وما خلف من البنات ، وقد كان عليه السلام قد أخبر جابراً بأن الله ، قد أحيا أباه ، ورد عليه روحه ، وقال : ما تشتهي فأزيدك ، فأكد عليه السلام هذا الخبر بمثل ما يشبهه ، فاشترى منه الجمل ، وهو مطيته ، كما اشترى الله تعالى من أبيه ، ومن الشهداء أنفسهم بثمن هو الجنة ، ونفس الإنسان مطيته ، كما قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه إن نفسي مطيتي ، ثم زادهم زيادةً فقال : « لِلَّذِين أَحْسَنُوا الحُسْنَى وزِيادَة » يونس ، ثم رد عليهم أنفسهم التي اشترى منهم فقال : « وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلوا في سَبِيلِ اللّه أَمْوَاتاً » آل عمران الآية ، فأشار عليه السلام باشترائه الجمل من جابر وإعطائه الثمن وزيادته على الثمن ، ثم رد الجمل المشترى عليه ، أشار بذلك كله إلى تأكيد الخبر الذي أخبر به عن فعل الله تعالى بأبيه ، فتشاكل الفعل مع الخبر ، كما تراه ، وحاش لأفعاله أن تخلو من حكمة ، بل هي كلها ناظرة إلى القرآن ومنتزعة منه صلى الله عليه وسلم . سياقه الحديث عن عمرو بن عبيد فصل : وحدث عن عمر عبيد عن الحسن عن جابر ، وذكر حديث غورث ، وقد ذكره البخاري فقال فيه : غورث بن الحارث ، وقد ذكره الخطابي ، فقال فيه : إنه لما هم بقتل النبي صلى الله عليه وسلم رمي بالزلخة فندر السيف من يده ، وسقط إلى الأرض . الزلخة : وجع يأخذ في الصلب ، وأما روايته الحديث عن عمرو بن عبيد فأعجب شيء سياقته إياه عن عمرو بن عبيد ، وقد رواه الأثبات عن جابر ، وعمرو بن عبيد متفق على وهن حديثه ، وترك الرواية عنه ، لما اشتهر من بدعته ، وسوء نحلته ، فإنه حجة القدرية ، فيما يسندون إلى الحسن رضي الله عنه من القول بالقدر ، وقد برأه الله منه ، وكان عند الله وجيهاً ، وأما عمرو بن عبيد بن دأب ، فقد كان عظيماً في زمانه عالي الرتبة في الورع ، حتى افتتن به ، وبمقالته أمة فصاروا قدريةً ، وقد نبز بمذهبه قوم من أهل الحديث ، فلم يسقط حديثهم ، لأنهم لم يجادلوا على مذهبهم ، ولا طعنوا في مخالفيهم من أهل السنة ، كما فعل عمرو بن عبيد . فممن نبز بالقدر ابن أبي ذئب وقتادة وداود بن الحصين وعبد الحميد بن جعفر ، وطائفة سواهم من الأثبات في علم الحديث ، وعمرو بن عبيد يكنى أبا عثمان وأبوه عبيد بن دأب كان صاحب شرطة فيما ذكروا